عفيف الدين التلمساني

38

شرح مواقف النفري

فالتصور هو أوهم أن يكون لذلك العدم الإضافي وجود ولم يفده التصور ذلك الوهم من الوجود لم يصح الإخبار عنه ، فإن الإخبار عن عدم إن كان بعدم فمعناه أنه لم يقع إخبار وحينئذ يبطل التفاهم بين المتخاطبين فاضطر الحال إلى أن يستعار لهذا النوع وجودا ، وأضعف الموجودات هي الذهنيات وأسخفها الإعدام لضعفها ، وأقوى منها الذهنيات التي لها ما صدق في الخارج . ونعود فنقول كيف قيل في هذه إنها ظلم ، وكيف قيل إنها من فوت مراميه بادية فالجواب أنه لما كان هو الوجود المحض كانت المعدومات مثل من فاته الوجود ، وفاته أيضا أن يروم الوجود ، فإنه لو رام الوجود لكان له نصيب منه إذ لا يطلب الشيء نقيضه لأنه إذ ذاك يكون طالبا لما يبطله فكان يكون على هذا التقدير ليس عدما إذ ذاك لأن ما يبطل عدمه فهو وجود لكن التقدير أنه عدم ، فقد فات هذه الجهة مرام الوجود ، فتعينها هو في مقام فوت الوجود ، وذلك هو العدم ، وفي هذا السطر الذي قبل هذا كفاية في شرح التنزل إذا تأملته ، وإن أعدناه ظهر ، ونختصره فنقول : الحق تعالى وجود محض وفوت الوجود هو العدم ، فالظلم إعدام ، ومنشؤها فوت المرام ثم هي إلى فوت المرام آيبة راجعة ، فإن العدم إنما يرجع إلى العدم . قوله : ( وقال لي : الكبرياء هو العزّ والعزّ هو القرب والقرب فوت عن علم العالمين ) . قلت : الكبرياء هو العز مع اعتبار تكبر عما ينافيه ، والعز هو القرب مع اعتبار إحاطته بمن قرب إليه بصفة محوه عن نفسه وبقائه بربه ، والقرب فوت عن علم العالمين مع اعتبار آخر وهو أن يمحي وصف العلم الذي هو لسان الفرق ، ويبقى لسان الشهود وهو نطق الحقيقة لنفسها وقد تقدم شرح هذا التنزل في أول هذا الموقف . قوله : ( وقال لي : أرواح العارفين لا كالأرواح ، وأجسامهم لا كالأجسام ) . قلت : معناه أن أرواح العارفين منصبغة بالنور الإلهي لقيام النور عنهم بوصفهم وكذلك أجسامهم ، حتى قال قائلهم : « ما في الجبة إلا اللّه » ولا يثبت لغيرهم أن يقول أحدهم هذا القول .